ووقتها كان السودان هو أحد أمنيات المنطقة في أن يكونوا في محازاتها في كل شيء، ولكن إصرار ما وأنانية مطلقة، جعلت هذا البلد الكبير في كنف البؤس والشقاء وشتات أبناءه في أنحاء المعمورة.
ويذهب
بنا التاريخ إلى العام 1967، عام الخرطوم القائد، والصانع للقرارات الكبرى،
والمواقف الثابتة، قمة اللاءات الثلاثة، أو قمة الخرطوم، يذكرنا به التاريخ اليوم،
وهو مؤتمر القمة الرابع الخاص بجامعة الدولة العربية، والذي عقد في العاصمة السودانية
الخرطوم في 29 أغسطس 1967، على خلفية هزيمة عام 1967 أو ما عرف بالنكسة.
لاءات
ثلاثة، كانت الخرطوم شهدت ميلادها، تضامنًا حقيقيًا مع القضية الفلسطينية العادلة،
وتمسكًا بالثوابت عندما قالت القمة في الخرطوم: لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو
الصهيوني، قبل أن يعود الحق لأصحابه.
مؤتمرٌ
حضرته كل الدول العربية باستثناء سوريا.
وشكلت
قرارات الخرطوم بقوتها تلك، بتاريخ 1/ سبتمبر/
1967، في ختام القمة، في أعقاب حرب يونيو، أساسًا لسياسات الحكومات العربية تجاه إسرائيل.
صامدًا
حتى حرب أكتوبر عام 1973، ودعا القرار إلى استمرار حالة العداء مع إسرائيل، وإنهاء
المقاطعة النفطية العربية, ووضع حد للحرب الأهلية القائمة في شمال اليمن، والدعم الاقتصادي
لمصر والأردن.
ليعرف
العالم القرار باسم قرار "اللاءات الثلاثة" مستمرين في "لا سلام مع
إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل"، ولكن واقع جديد يلقي
بظلال سوداء على القرار التاريخي، وبل تاريخ السودان العظيم بامتداداته الحضارية
من قبل الميلاد، ظلال سوداء تسير سرًا إلى "عنتيبي الأوغندية" وتمد يد
العجز والهوان إلى إسرائيل، في مصافحة ملغومة، وذل أكيد.
وبالأمس
تقوم ثورة الكرامة السودانية، تقدم الشهداء من الشباب الغض، وتصر يوميًا على
مجابهة الرصاص بالهتاف السلمي، يوميًا في الواحدة عز الهجير بتوقيت الثورة وتحدي
الشعب، خرجت الثورة المباركة، واسقطت ثلاثين عام من البلاء واللا رخاء والاستعباد
والتبعية والظلم وقهر الرجال وكسر النساء.
لتأتي حكومة الثورة
بقياداتٍ استثنائية تصنع المستحيل لتضع البلاد في بر الأمان والعباد على درب العيش
الكريم بعد سنوات الاستبداد الطويل، ولكن عسكر النظام ممن طال بهم الاستعباد حتى
ما عرفوا وجه الحرية حين لاح، بإصرار غريب لا يشبه رجال القوات المسلحة
السودانية، صعدوا بحسابات السياسة والضغوط على قيادة الثورة ليكونوا ضمن الحكومة
الانتقالية مترئسين المجلس السيادي، مسخ مشوه بين جنرالات الجيش وعصابات النهب
الممنهج، جلسوا على سدة القيادة، ولم تكن النية سوى الانقلاب على مدنيي الثورة،
شرفاء الوطن، النبلاء، من تعرضوا لمخاطر مفتوحة، حتى يتسنى لوطنهم الاستقرار.
ذهب سرًا، وعاد
نجسًا، وباع العهد، برهان، رئيس المجلس السيادي في الحكومة الانتقالية، رجل القوات
المسلحة السودانية إن كان يتذكر، وابن الكلية الحربية السودانية مصنع الرجال وعرين
الأبطال، إن كان يتذكر، اجتمع سرًا مع الإسرائيلي الأشر، قاتل ملايين البشر،
والحليف الاستراتيجي لمثلث الشر، اجتمع معه البرهان ليقول نعم، بعد أن قالت
الخرطوم لا، "لا
سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل".
فأي
غدٍ الذي تمضي نحوه التفاصيل؟ وأي مأزق الذي تدخلنا في الحكاية؟ وأي مصير ننتظر؟
قال البرهان كلمته،
يريد أن يتغطى بعباءة الشريف الذي يتطلع لمصلحة الوطن، وقالت حكومة الخرطوم متمثلة
في مجلس الوزراء بشقه المدني أنها لا تعلم شيئًا عن الزيارة، فماذا سيقول الشعب
السوداني المعلم صانع الثورة ومن جاء بهولاء؟

تعليقات
إرسال تعليق